مهدي الجريبي.. الفاصل بين المرئي واللامرئي

كتبهاعيد الخميسي ، في 6 فبراير 2009 الساعة: 21:30 م

جان كلود لوغويك
تمتلك أعمال مهدي الجريبي أنظمة بصرية متناسقة تستميل فورًا تعاطف المتلقي؛ إلا أنها سرعان ما تثير في نفسه تساؤلات حول احتمالات الدلالات وحول مصادر الأعمال المعروضة أمامه.
يعمل الجريبي على إشكالية الأثر، ويختبر مظهر أشكاله انطلاقًا من أرضية مكوّنة من آثار مادية ومحسوسة. وتختلف طريقة معالجته للموضوع حسب الحالة، فتراه يعمد تارة إلى التجميع أو الربط، وطورًا إلى الجمع أو التركيب، وذلك بحرية كبيرة.
لا يعتبر الجريبي أرضية الإبداع التشكيلي أرضًا بكرًا؛ بل يرى فيها ركيزة للعمل يختارها لغنى الآثار التي خلفتها عليها الذاكرة. لذلك يقوم أولاً برصد الخلفية بدقة وإمعان قبل أن يتدخّل فيها بحساسيته وسلطته. والخلفيات التي انتقاها الجريبي هي قطع مختارة من الواقع، تتميّز بعلامات وأشكال وتضاريس خاصة بها. وقد سبق استعمالها، فهي بالية ومخدشة كمكاتب التلاميذ مثلاً، تشكّل لوحة غامضة وخفيّة ينطلق الفنان منها لخلق لوحات - أشياء. فتراه يكشف هنا عن شق في الخشب، وهناك عن تقشير في الطلاء، أو عن محيط بقعة، أو عن طرس كتابة.
يعالج الجريبي في أعماله الحد الفاصل بين المرئي واللامرئي، بين تسجيل أثر الماضي وابتكار ما هو ممكن لنظرة قادمة. هذا العالم الذي مضى، يجب استبداله بعالم حي لا يُشيّد فيه عالم الأمس كأثر تذكاري غير قابل للتحول، كما يجب ألا يُنسى لاعتباره منجمًا يستخرج منه واقع آخر.
وإذا كانت أعمال الجريبي لا تسعى إلى نقل رسالة معينة، إلا أنها حافلة بالدلالات، ومن أهمها أنها تذكرنا بأن الأسى يكمن في أرضية العمل الفني، في ماضي الأشياء، في حوادث المواد. من مزايا فن الجريبي أنه يعيد الحياة لآثار وبقع قد تغرق بدونه في متاهات النسيان. ولكن الفنان يعالج موضوع ذاكرة الأشياء دون أي حنين لماضيها. وتتولّد هويته من جراء انتشال واستعادة أجزاء الواقع، لأن هذه العملية تشكل بحد ذاتها تسجيلاً لمواقفه الشخصية. وقبل أن يقوم الفنان بتسجيل مواقفه الشخصية، يستعمل أولاً حساسيته لممارسة الرصد والكشف والتفسير والتعبير.
رغم ذلك، بقيت الآثار التي يميط اللثام عنها غامضة، بمعنى أنها لا تعيد شرح معاني الإشارات؛ بل تفترض وجود دلالات متعددة. فالمسافة القائمة بين الأثر والإشارة هي دومًا متحوّلة، لذلك تستحوذ اهتمام الفنان الذي يرى فيها انفتاحًا على المخيلة. ويدرك الفنان أن قراءة الآثار تقوم أولاً وأخيرًا على القليل منها، ويعرف أن العمل على حدود المرئي يدفع إلى تأويلات أفضل. يفتح الجريبي سطح الأشياء، مثل هذه المكاتب التي سجل عليها التلاميذ على مدى السنين علامات مرورهم.
وفي عرضه هذه الألواح الخشبية يأخذ بنا إلى استعراض ظهور المعاني التي تؤدي إليها. فيصبح الحيز المحدود الذي تم اكتشافه مجالاً واسعًا للمغامرة أو ساحة لعب أو منظرًا مؤلّفًا من إشارات .
وعلى أرضية لها قصة وتاريخ، يستعمل الرسام كل ما يلّم به من علم التحويل والتصوير. ويتحوّل غياب معرفة أصل الأثر إلى حضور معلن لمداخلات الفنان في العمل بصورة دقيقة وظرفية، وبحذر ومهارة في آن واحد.
إن زمن الإبداع الأول الذي يستبق الفعل بحد ذاته هو لحظة الإدراك الحسي للأشياء. وينتج تدخّل الجريبي عن التحديد البصري للجسم الأولى. وعلى حد تعبير عبدالوهاب مؤدب: (إن ادارة الفكر بعينها تتلوّن بتأثير زاوية النظر التي تتعود عليها). ونجد أيضًا في هذه الخلفيات أجزاء مشتتة من الذاكرة يستعملها الفنان كبذور مزروعة يسقيها بمزاجاته الملونة لإبراز ما يحلو له من إشارات وكتابات وأجسام. ويكمن جوهر إبداع الجريبي في قدرته على استرجاع وإعادة رسم وتنشيط الإشارات الدالة على آثار الزمن المدموغة على الحيز الطبيعي لمكاتب التلاميذ، مثلها مثل أجزاء أخرى من الواقع التي تعودنا على النظر إليها دون رؤيتها. وفي تصيّد واختيار وعرض هذه الألواح المكتبية يحوّل الجريبي الألواح إلى لوحات وذلك من خلال نظرته إلى الأشياء المادية التي تحمل في ثناياها فكرة ما، أو روحًا ما.
أعتقد أن الجريبي هو بدون شك فنان عصري يستعمل الأدوات المادية والفكرية التي يمتلكها بمهارة للشكف عن الروح الشمولية المتجسدة في أبسط الأشياء التي ننظر إليها يوميًّا دون أن نراها على حقيقتها.
كما في الكتابة، يمكن العنصر الجوهري هنا أيضًا في العلاقة القائمة بينا لسطح الحامل والتسجيل، بين المفعول والفاعل، بين اللوحة والنظرة، وأخيراً بين الماضي والحاضر.
تحيي أعمال الجريبي المادة فالكلمات والأسماء والحروف المقروءة على سطح العمل لها جذور مرتسخة في المادة، لا تنكر أصلها؛ ولكنها في الوقت نفسه تجهر باستقلالها. إن حركة الرسم الكتابية لديه تبعث الحياة في الخطوط وتولد الأفكار التي تدل عليها الكلمات. ذلك أن الجريبي لا يسعى في فنه إلى تسجيل الكلمات أو الأشكال بصورة نهائية وكاملة. ويمكن أن نطبق عليه ما قاله ديموستين ديفاتاكس عن سي تومبلي: (لقد أضاع مصطلح الأيقونوغرافية عنصره الأول (أيقونة) الدال على الصورة ليحتفظ فقط بمركبه الثاني (غراف) الوظيفي الذي يدل على شكل أو تعبير خطي). فهذان الفنانان يعالجان مظهر الصورة دون أن يدعاها تتحول إلى رسم إيضاحي. وعلى غرار الفنان الأمريكي، يستعيد الجريبي في بعض أعماله القوى المحركة الخلاقة لدى الطفل. فيقوم عند الحاجة بتغيير مجرى الحركة التعبيرية، مما يدفع به إلى إنتاج خربشة مبتدعة تحتل الصدارة في العمل كما في جدل رقم 11. من الواضح أن الجريبي، كالطفل، يحب مباهج الشرد الحرّ والتخطيطات التي تُخلق في سياق الحركة، ولا سيما التركيب الحر للخطوط على طول امتداد المسافة المحددة. يشير ذلك إلى أن مفهومه الشامل لحيز الرسم ليس منظّمًا للتعبير عن صياغة روائية واحدة فقط بل منفتحًا على تفسيرات متعددة متولدة من خصوبة المخيلة.
صحيح أن الجريبي متيقظ لقوة الحث المندفعة من الخلفية الأصلية، إلا أنه يعرف أيضًا كيف يفرض طريقته ويسجل العلامات الخاصة به. ويجدر الإشارة هنا إلى تردد بعض الأشكال في معظم أعمال المجموعة الواحدة.

* جزء من مقدمة كتاب ( جدل) الذي صدر في العام 2001م إبان معرض الجريبي في باريس

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : منظار: أخبار ، سرقات ، نيران صديقة، متابعات..الخ | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “مهدي الجريبي.. الفاصل بين المرئي واللامرئي”

  1. أرجوا عدم تهميش مثل هذه الخامات الفنية الأصيلة النادرة في الوسط العربي ربما في العالم وإن كنت مبالغا لأنهم الوسيلة المثلى لقيادة المجتع وأتمنى أن تكوّن (بشد الواو) لجنة من المسؤولين في المملكة العربية السعودية لإحتواء مثل هذه العناصر المؤثرة في شتى المجالات والمتواجده عندما نبحث عنها بصدق ودعمها معنويا وماديا ونفسيا وأن لا ننتظر الشهادات الخارجية بأن هذا الفنان أصيل أم مزيف ……………………………..

    لكم تحياتي

  2. الفنان التشكيلي – مهدي الجريبي
    http://www.al-jeraibi.com/ar

  3. الشاعر المبدع عيد الخميسي
    شكرا على معايدتك الكريمة .. وسعيد بالتواصل معك .. ربما لا تعلم أنني حصلت في الثمانينات على أكثر من جائزة من جوائز نادي جازان
    لكم تحيتي وكل عام أنت بخير
    درويش الأسيوطي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول