1- مدخل لجماليات قصيدة النثر
نحاول أن نقترح هنا مدخلا لمقاربة جماليات قصيدة النثر، وأود الإشارة إلى تنكير كلمة "مدخل" في الجملة السابقة؛ حيث لا يظن الباحث أن ما سيتم تقديمه هنا هو "المدخل" الأصح أو الأفضل.
يبدو لي أن طبيعة إدراك العالم لدى جيل من شعراء قصيدة النثر، يمكنها أن تمثل منطلقا محتملا للتعرف على ما يميز القصيدة من جماليات تبدو عصية على الكثير من الباحثين حتى يومنا هذا. إدراك العالم؛ أعني به تحديدا الطريقة المخصوصة التي يستخدمها الشاعر في فهم العالم: ظواهره وعلاقاته وقوانينه الاجتماعية..الخ، تلك الطريقة التي على أساسها يتفتح العالم في وعي الشاعر ثم يتجلى في النص الشعري. بعبارة أخرى: ما مميزات أسلوب الوعي الذي يستخدمه كثير من شعراء النثر في إدراكهم للعالم؟ وكيف يتجلى هذا الأسلوب في النص الشعري؟.
من الواضح أن هناك افتراضات ضمنية ينطلق منها البحث، أهمها افتراض وجود علاقة بين أسلوب الوعي بالعالم وجماليات النص الشعري، وهو الافتراض الذي يبدو أن البحث كله يقوم عليه.
ولكن من أين سيبدأ الباحث؛ هل من الوعي إلى النص أم العكس؟ أحسب أن مثل هذا السؤال لا يليق مع حالة التعقد التي سيصف بها البحث وعيَ شعراء النثر الذين تعرضت لهم؛ حيث لا يمكن للحركة النقدية أن تتخذ طريقا أحادية من أ إلى ب؛ كأن يتحرك الناقد من الصورة الشعرية إلى العالم، أو من العالم إلى النص الشعري. المقاربة يجب أن تتمتع بدرجة من التعقد تتوافق إلى حد ما مع درجة تعقد الوعي المطروح في النص الشعري النثري. من هنا ستكون الحركة أشبه بخارطة أطلب من القارئ أن ينظر إليها كلها في لحظة واحدة؛ أي ألا يركز عينيه على مساحة منها مهملا باقي تفاصيلها. إنها محاولة نقدية تسعى لأن تكون تجريبية.
ولكن التجريب - في النقد خاصة - لا يعني غياب القواعد الاتفاقية بين الباحث والقارئ؛ حيث يجب أن يعلن الباحث منهجه في القراءة حتى يمكن أن يقوم اتفاق بينه وبين القارئ على أسلوب التحليل، بغض النظر عن أي نقد يمكن أن يقدمه القارئ لهذا المنهج بعد ذلك.
وطريقة التحليل التي سأتبعها لن تحاول تقديم كل شيء ممكن في النصوص التي أقف عندها بالتحليل، بل سيكتفي البحث في فقرته الأولى - الخاصة بالتركيب التناقضي للصورة – بالوقوف عند الصور أو التكوينات التصويرية التي تعبر عن الفكرة البحثية المطروحة، في حين سيحاول في الفقرة الثانية –الخاصة بفكرة العزلة- أن يدخل إلى حيز التأويل مفيدا قدر الممكن من تحليلات الفقرة الأولى.
2- تعقد الوعي/ تناقض الصورة
أحسب أن وعي شعراء قصيدة النثر الذين تعرضت لهم في المملكة العربية السعودية يمتاز بدرجة لافتة من التعقد الإيجابي في إدراكه للعالم، وأخص حال التراكب الفكري والشعوري تجاه الأشياء والظواهر بما يمنع من سيطرة إحساس أحادي عليها. أتحدث هنا تحديدا عن أشياء وظواهر متفق عليها ثقافيا بصورة أحادية نهائية ومريحة. لا أحد منا يستخدم كلمة الوحوش في سياق إيجابي، جميعنا يحملها دلالة أحادية نهائية وسلبية بالضرورة، لكنها لدى أحمد كتوعة توضع في تركيب يربك هذه الأحادية الدلالية ويهز اليقين الساكن خلفها يقول كتوعة في قصيدة جرف:
طريق البيت
وحوش مقمرة
ووحشة مستأنسة ()
كيف يمكن أن تكون الوحوش مقمرة، القمر هو الضوء، كما أنه مرتبط في تاريخ القصيدة العربية بالحبيبة التي تمثل مصدر إنارة لحياة المحب وروحه، هنا يلتصق الوصف "مقمرة" بالوحوش، ويبدو هذا الجمع بين مفهومين متناقضين على مستوى الثقافة فاتحا لمساحة تساؤل واسعة: هل يمكن حقا أن تكون الوحوش مقمرة؟ والإجابة: نعم، فنحن ملتزمون بالواقع النصي، وغايتنا هي مقاربته لا إنكاره. الوحوش مقمرة في قصيدة أحمد كتوعة لا شك. والسؤال التالي يبدو لي هو الأهم: كيف تكون الوحوش مقمرة؟ هنا يمكننا التحرك خارج النص إلى الثقافة والوعي كليهما.
الوحوش مفهوم ثقافي/ اجتماعي، وتجدر الإشارة إلى أن كلمة الوحش على المستوى المعجمي لا تتطابق مع الحيوان المفترس، فكل حيوان أهمل حتى أصبح غير أليف أو مستأنس هو وحش، حتى إن كان غزالا. الوحوش أيضا مفهوم غير أحادي، ولكنه معقد بطريقة أخرى على مستوى الثقافة المعاصرة. فالوحش دائما مصدر للفزع، والقبح، وتهديد الحياة، وهو كذلك كيان تشكله الخرافة بأكثر مما تتدخل في صياغته خبراتنا المباشرة (فقد انتهت علاقتنا المباشرة بالوحوش منذ قرون طويلة). الوحوش إذن مفهوم ثقافي خرافي أكثر من كونه مفهوما اجتماعيا نتج عن خبرة حياتية مباشرة. ولذلك فهو مفهوم ينتمي لمساحة المستقر المفهوم بصورة نهائية.
هنا يأتي التناقض في تكوين الصورة ليربك هذا الاستقرار المفاهيمي، وليفتح احتمالا ترى الثقافة أنه مغلق؛ احتمال أن تكون الوحوش مقمرة.
يمكن للصورة التالية أن تساعدنا في فهم هذا التركيب المقلق، حيث يربط الشاعر بين الوحشة والاستئناس. وهو ربط غير منطقي، ويبدو قريبا في غرابته من علاقة الوحوش بالقمر. فمنذ متى كانت الوحشة التي هي ضد الاستئناس أليفة. الوحشة هي انتفاء الاستئناس والاستئناس هو الألفة والأريحية والاطمئنان، وكلها معان تبدو نقيضا للوحشة وغير قابلة للاجتماع معها. أليست الصورة مربكة بالقدر نفسه الذي تكون به الوحوش مقمرة؟
يبدو أننا أمام وعي معقد ويستخدم تعقده في مناوشة الثقافة السائدة وإقلاقها. كأن الشاعر يقول: أنا قادر على أن أرى في الوحوش مصدر إنارة، وأستطيع أن أكتشف في الوحشة نقيضها. أو كمن يقول: لا سبيل للقبول بالتصورات الأحادية المستقرة والنهائية حول الأشياء والمفاهيم، تعالوا إلى طريقة أكثر عمقا يمكنها أن ترى في الشيء نقيضه، وأن تدرك في الظاهرة أبعادا مختلفة.
نحن هنا أمام حالة رفض جمالي للمبتذل الشائع المستقر، وهو ما يتناقض مع التصور الرائج عن قصيدة النثر أنها تركز على التفصيلي واليومي والعادي. هناك فروق مراوغة فيما أستخدمه من مفردات؛ فليس المبتذل الشائع المستقر هو نفسه التفصيلي اليومي العادي، لكن القراءة السريعة قد تساوي بينهما، فشعراء قصيدة النثر يستخدمون العادي واليومي من المفردات والمشاهد والأفكار والتعبيرات، لكن مبتعدين عبره عن الشائع والمستقر والمبتذل.
يبدو لي أن النص الشعري نفسه على وعي بالفرق بين اليومي والتفصيلي من جهة وبين الباهت والسطحي والتقليدي والشائع من جهة أخرى. يقول إبراهيم الحسين:
كلمات مثل: روح، عندما
وأخرى…
صرت – مؤخرا – أطاردها
في المضائق
حتى تصبح بعيدا خارج الورقة
كلمات أخرى تقف بعيدا
بقرونها تنظر إلى الطرائد
فلا تجرؤ على الاقتراب ()
الشاعر يصف حالة الكتابة، لكنه يصفها عبر رغبة عميقة في تحقيق المغايرة للسائد والمستقر والشائع، إنه يحاول وصف حالة الرفض للمبتذل المكرر الباهت والسعي لتخليص القصيدة منه، وفي الوقت نفسه حماية النصوص (الطرائد) من الوحشي الغريب الصادم. يبدو أنني لم أستطع تجنب التأويل في محاولة إثبات الفكرة، هل كان بإمكاني تجنبه؟
يمكن التمثيل لهذا الوعي المركب الذي يجمع تناقضات مربكة للسائد في نص إبراهيم الحسين "أي عيد". يقول:
في العيد
نزين الدار
فنعلق الجروح
وننطلق إلى ظل الحلم ()
ما أود الإشارة إليه هنا هو التناقض الذي يبدو طبيعيا بين العيد والزينة من جهة والجروح من جهة أخرى. هل يمكن أن تصبح الجروح زينة؟ وهل يمكن ألا تكون زينة العيد في وعي لا يرى في الأشياء جانبا واحد، بل لعله يسعى طوال الوقت ليصدم ثقافته الراكدة بما يراه من إمكان التناغم – وربما التكامل - بين الأضداد؟ هكذا يمكن التعامل مع تراكيب من مثل: مرارة طازجة/ ذباب أنيق/ الثياب المبللة بالحكمة والحماقات/ الضياء حائط ()
لكن التناقض قد يكون على مستوى صورة أوسع، ربما يتشكل التناقض المتراكب على مستوى مشهد تصويري أكثر تعقيدا. لنقرأ هذا المشهد لدى محمد الحرز:
على الطاولة ثمة كهف
قابع لا زال
يعد مائدة الظلام
للجالسين .. لكن
كيف استحال الجالسان
نجمتين مضيئتين؟! ()
أين التناقض المنسجم هنا؟ يبدو لي في حالة الامتزاج الفذ بين الظلام والضوء في حالتيهما القصوى؛ الكهف يمثل حالة قصوى للظلام، ثم يتحول الجالسان نجمتين ممثلين بذلك الحالة القصوى للضوء، كلاهما مجتمع حول مائدة، بحيث يبدو أن الظلام ينسكب انسكابا من الكهف بما يكاد يغمر كل ما يحيط به، هنا تبزغ النجمتان، كأنهما كيانان مضيئان في قلب الكهف أو في قلب الظلام المنسكب منه، أليس هذا هو الوضع الطبيعي للنجوم؟ ألا تتواجد دوما في قلب ظلام دامس؟ أليس هذا اجتماع متجانس للمتناقضات، يمر علينا دون أن نراه كذلك؟ على القارئ الآن أن يدرب خياله كي يتعامل مع هذا الحضور الفذ في تناقضه وانسجامه.
التناقض ليس مقصورا على حالته الحادة التي توقفت عندها فيما سبق سواء في الصورة المفردة أو في المشهد الأكثر تراكبا، بل لعل التناقض مخبوء في المنطق الذي يطلب منك النص أن تتبناه كقارئ في تعاملك مع عالم القصيدة؛ بعبارة أخرى، قد يكون التناقض قائما بين ما يراه النص طبيعيا أو بعضا من طبيعة الأشياء في العالم، ويطلب منك أن تراه كذلك –على الأقل في لحظات قراءتك للنص – وبين ما تراه أنت طبيعيا استنادا إلى منطق العالم المعيش كما درجنا على تعلمه. التناقض هنا هو حالة تسم وجود الأشياء ولا غرابة فيما يراه الشاعر توافقا بين عناصر الكون التي تبدو لنا متناقضة لا اجتماع بينها إلا في حالة الصراع. التناقض إذن موجود وغير موجود؛ موجود كحالة وعي وأسلوب تفكير، وغير موجود في العالم كما يراه وعي شعراء قصيدة النثر، الوعي الذي يشتركون فيه مع كثير من الفلاسفة().
التناقض الذي تناولته الفقرة السابقة يخفي تناقضا آخر مع السائد ورغبة في التحرر من قيوده المجتمعية والفكرية والسياسية، والقصيدة بطبيعتها الجمالية تحاول أن تصنع إرباكا للرؤى المستقرة التي تدعم الكيانات الفكرية والجمالية القائمة. لكن ألا يمكن أن نرى في هذا الإرباك نوعا من التحرر؟ ألا تعد مناقضة السائد المستقر محاولة لتحرير الوعي من الركود والتعفن تحت وطأة كل ما هو متكرر من صور شعرية ومن تصورات عن العالم والحياة من حولنا؟
3- العزلة/ سمة جيل
المناقضة التي يستشعرها هذا الجيل هي سبب في العزلة ونتيجة لها في آن، البداية هنا غير معروفة: أيهما قاد إلى الآخر؛ هل العزلة قادت للتناقض مع الثقافة المحيطة، أم أن التناقض هو نقطة البداية وهو ما قاد إلى العزلة؟ أحسب أن الأمر مزيج معقد من الحركتين معا، فشعراء هذا الجيل لم يبدءوا واعين بتناقضهم تماما وكذلك لم ينشئوا في عزلة مفروضة عليهم، بل لعل الأقرب أنهم حملوا بذور التناقض والعزلة معا، فكان كل منهما غذاء للآخر، ولنتخيل حركة الوعي لديهم بهذه الطريقة: أعي قدرا من التناقض مع المحيط الذي أعيش فيه، ولعل قليل من العزلة يفيد في فهم هذا التناقض وإزالته. ثم إن العزلة تكشف عن درجة أعلى من التناقض الذي يقود بدوره إلى مستوى أعلى من العزلة.
لكن كيف يمكن للعزلة أن تتجسد في النص؟ ما أشكال حضورها؟ وكيف يؤكد هذا الحضور حالة التناقض؟
هناك صورة مباشرة للعزلة تستخدم المفردة نفسها "العزلة" وهذا الحضور المباشر لا يعني أن الطرح الجمالي مباشر أيضا، بل لعل هذه المباشرة تحاول أن تمثل صدمة للشعور المستقر بالاندماج والتأقلم. يقول أحمد كتوعة في قصيدته "عزلة"
الغريب
الذي يمطر وجهه الكآبة تحت سقف المدينة المضاء
معتبرا احتساءه الصلابة جزءا من طقسه العادي
يستند وقفا على مشاغله الصغيرة وينظر في البعيد
ليكنز شيئا من الدفء
يحتمي بعزلته ()
العزلة ليست أمرا مبهجا، إنها وليدة الغربة، أو هي نتاج حتمي لها، الغربة سبب في الكآبة والبرد، واحتساء الصلابة هو جزء من شروط العيش، لكن العزلة تبدو الخيار الوحيد أمام الغريب، إنها الشيء الوحيد الذي يمثل حماية له. العزلة أمر حتمي لا سبيل لتجنبه، كما أن الاغتراب أمر حتمي لا سبيل لنفيه.
مفردة العزلة تظهر أيضا في عنوان قصيدة شريف بقنة "مدن العزلة"، يقول في بدايتها:
موسيقى تغسلني في الليل
كائنا كونيا
كل يوم عنده
عالم بأكمله
أولد في أوله
وأموت عند ساعة الصفر
أرمي برباط عربتي إلى النجوم
لو أكتفي بهذه الأرض
وأترك ذلك الكون مخذولا في صدري()
بداية القصيدة تعلن موقع الشاعر على خريطة الكائنات، هو لا يستطيع سوى أن يحيا في كونه الخاص، لا يمكنه سوى أن ينظر إلى السماء بعيدا عن الأرض التي لا يقدر على الاكتفاء بها، العزلة والكون الخاص الذي يخلقه الشاعر هو ملاذه وملجأه الوحيد.
وكذلك تتردد مفردة العزلة دوما منسوبة إلى ذات الشاعر أو الصوت التخييلي في القصيدة كما في قصيدة حمد الفقيه "على طريقة لوركا حين يقول:
لكنني لست لوركا
لأقرع نوايا الآخرين بعصا حدسي
ولعل الأمر يعود في هذا إلى أنني علقت جسدي بسقف العزلة
لأذهب مع كل هبة حتى أقاصي الحنين()
إنه يرفض فرض حدسه/ وعيه/ شعوره على العالم وهو على وعي بسبب رفضه؛ إنه معلق بسقف عزلته، وهو من فعل ذلك، العزلة اختيار مميز.
هل يمكننا الآن القول بأن الشعور بالعزلة والاغتراب هو جزء مكون - وربما معرِّف - لتجربة شعراء قصيدة النثر، إنه حاضر بدرجة عالية من الحدة أظنها تتيح لنا أن نجعله سمة مميزة لقصيدة النثر لدى هذا الجيل. صحيح أن الغربة والمنفى والعزلة هي معان متكررة عبر تاريخ الشعر العربي، لكن أحدا – بما في ذلك شعراء التفعيلة- لم يجعل العزلة الناتجة من الاغتراب هي الملجأ الذي يحتمي به كما فعل كتوعة ومجايليه.
يقول عيد الخميسي في قصيدته "بقع":
التي ظلت تنجب أطفالا موتى لفترة طويلة
ظل زوجها يذهب بلفافات الأرواح البيضاء إلى المسجد