خارج مركز أي مشهد (حوار بجريدة الاتحاد)

كتبها عيد الخميسي ، في 25 يونيو 2009 الساعة: 14:25 م

الشاعر السعودي يعتبر أنه لاتوجد تجربة شعرية تحل محل أخرى

عيد الخميسي : ضجيج الروايات الجديدة يشبه سقوط جدار

 

محمد خضر

جيل التسعينات الشعري في السعودية  كما يطلق عليه النقاد , جيل تحول في المفاهيم وفي تجريبه وكتابته لأشكال مختلفة , جيل على الأغلب أنه متخلص من كثير من عقد البدايات ومتاعبها وأسئلتها , ظهرت قصيدة النثر في السعودية في أواخر السبعينات تقريبا , ومع دخول التسعينات كانت التجربة قد ازدادت شعراء ونضجا وتجارب هنا وهناك , أيضا كان الشعراء قد انفتحوا على عوالم أخرى إلى جانب الشعر , اهتمام بالفنون الأخرى , بالنقد , والتشكيل , والمسرح , وعالم الانترنت , كلنا يدرك أهمية هذا البحث والتعاطي مع عوالم مختلفة  لشاعر اليوم المشغول بتوحده مع العالم من حوله , من الشعراء الذين برزت تجربتهم خلال هذه الفترة الشاعر السعودي عيد الخميسي  ..الذي عمل في الصحافة لمدة طويلة متنقلا في أكثر من صحفية وملحق ثقافي , وصدر له ديوانه الأول : " كنا " في أواخر التسعينات ومن بعد صدر له ديوان " البوادي " وأخيرا أصدر عيد الخميسي مجموعتين شعريتين جاءت تحت مسمى  (جملة لاتناسب القياس ) , كتب عيد الخميسي عن الفن التشكيلي ومقالات أدبية عديدة  وكان هذا الحوار  :

-         مؤخرا صدر لك مجموعتين شعرية  (جملة لا تناسب القياس) في كتاب واحد هل تحدثنا عن هذه التجربة ؟وألا تخشى أن تكون تجربة شعرية على حساب أخرى
 

-         (جملة لا تناسب القياس) هو كتاب شعري ضم مجموعتين  شعريتين هما ( حضن ثالث) و (في حالة كهذه).. المجموعتان كان يمكن لهما الصدور مستقلتين غير أن ظروف النشر أدت إلى صدورهما معاً في كتاب واحد. تميل قصائد (حضن ثالث) إلى قراءة حالات الحب، لحظاته بينما تذهب (في حالة كهذه) إلى مناطق اليومي وفق حالة شعرية ما. ولأن دور الشاعر ينتهي حسب رأيي بمجرد إنتاج النص، فإن أي محاولات للتقديم من خارج الشعر قد تنجح في خلق حالة تس

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أمسية شعرية بجدة- دعوة حضور

كتبها عيد الخميسي ، في 24 مايو 2009 الساعة: 15:15 م

الثلاثاء القادم 26 مايو (2/6) سأكون في نادي جدة الأدبي

مشاركاً في أمسية شعرية رفقة الصديقين/ أحمد الملا، هاشم الجحدلي.


سيضيف حضوركم الكثير.
موقع النادي: جدة- حي الشاطيء
الموعد: التاسعة مساء

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أخيراً في (جازان)- انطباعات

كتبها عيد الخميسي ، في 15 مارس 2009 الساعة: 07:15 ص

- لم يحدث أن شاركت في ملتقى شعري سعودي، كما لم يحدث وان انعقد ملتقى للشعر السعودي بتلك الكيفية التي حدثت في نادي (جازان). ذلك النادي البسيط الذي يقع في أقصى جنوب الوطن نجح في لم شتات الشعراء السعوديين في عنوان عريض وسهل : اللقاء.

- انعقاد الملتقى لم يمنع سؤالاً مثل: ( لماذا تتأخر دوماً أفعال بسيطة وضرورية كهذا الملتقى؟ ) من أن يظل حاضراً في ذهني طيلة أيام الملتقى. أجيال شعرية بأكملها لم تتعرف طعم اللقاءات والحوار وظلت تعيش إما تحت وطأة التهميش والعزلة أو أنها في الجهة الأخرى كانت منشغلة بذواتها وبرغبات محمومة في الانفراد بالمشهد والمرايا كلها.

- اجتمع الشعراء والنقاد لأول مرة فالندوات النقدية التي ظلت تنعقد صباحاً طيلة أيام الملتقى الثلاثة قدمت قراءات لظواهر متعددة في الشعر السعودي. وكان الالتقاء فرصة لمطالعة تلك الفجوة التي تزداد بين دارسي الشعر ومنتجيه. بين دارسين يميل غالبيتهم لأداء دور الجسر وذلك لمتابعة الطرق السلفية التي سبق وأن تلقوها في دراستهم .

- أجواء الملتقى البسيطة والحميمة جمعت بين شتى أطياف الشعر السعودي وممثليه. وأشارت بجلاء إلى انتهاء عهود الاستقطاب الشعري. فالتنوع والتعدد هو سمة معظم التجارب التي طرحها الملتقى. من جيل التأسيس كان الملتقى يكرم (محمد العلي) الذي حضر واستأثر بزخم الحضور وكثافة المحبة. هو صاحب تلك التجربة الشعرية المديدة والتي تمدد حضورها وباتت جزءاً من إرث الشعر السعودي. ذلك المثقف الدقيق الذي يرى ويتأمل ويقرأ. يدقق بحذر ويتحرك حتى في قصيدته وفق حساب دقيق. حضوره الوقور وحرصه الشديد على حضور جميع فعاليات الملتقى كان عنواناً للرقي والالتزام والشغف بالمعرفة.

- وفيما كنت أنتظر المصعد كان (علي با فقيه) يندفع إلي بمحبة شاعر هائل وقلب طفل. بافقيه الذي لم ألتقه منذ ما يزيد عن العشر سنوات كان حاضراً بتجربة مديدة وبإنسان لا تخطئه العين. وهو يواصل حواراً كان قد بدأه مبكراً مع (علي العمري) معي هذه المرة: لا بد من وسيلة لوصول قصيدة التسعينات إلى القارئ… اكتبوا عن تجاربكم بحب. بافقيه الذي يكتب بندرة وبتأن شديد يعد أقرب شعراء الثمانينات إلى القصيدة الجديدة وهو لا يخفي حماسه لها. يتصل الحوار، ونحن ننصت ل(علي الدميني) إذ يغني ويواصل تجربة تواصل الحياة والانبعاث
لم تكن الت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصيدة التناقض والعزلة

كتبها عيد الخميسي ، في 12 مارس 2009 الساعة: 18:01 م

قصيدة التناقض والعزلة


قراءة في قصيدة النثر السعودية
د. أيمن بكر

 

1-              مدخل لجماليات قصيدة النثر

نحاول أن نقترح هنا مدخلا لمقاربة جماليات قصيدة النثر، وأود الإشارة إلى تنكير كلمة "مدخل" في الجملة السابقة؛ حيث لا يظن الباحث أن ما سيتم تقديمه هنا هو "المدخل" الأصح أو الأفضل.

يبدو لي أن طبيعة إدراك العالم لدى جيل من شعراء قصيدة النثر، يمكنها أن تمثل منطلقا محتملا للتعرف على ما يميز القصيدة من جماليات تبدو عصية على الكثير من الباحثين حتى يومنا هذا. إدراك العالم؛ أعني به تحديدا الطريقة المخصوصة التي يستخدمها الشاعر في فهم العالم: ظواهره وعلاقاته وقوانينه الاجتماعية..الخ، تلك الطريقة التي على أساسها يتفتح العالم في وعي الشاعر ثم يتجلى في النص الشعري. بعبارة أخرى: ما مميزات أسلوب الوعي الذي يستخدمه كثير من شعراء النثر في إدراكهم للعالم؟ وكيف يتجلى هذا الأسلوب في النص الشعري؟.

من الواضح أن هناك افتراضات ضمنية ينطلق منها البحث، أهمها افتراض وجود علاقة بين أسلوب الوعي بالعالم وجماليات النص الشعري، وهو الافتراض الذي يبدو أن البحث كله يقوم عليه.

ولكن من أين سيبدأ الباحث؛ هل من الوعي إلى النص أم العكس؟ أحسب أن مثل هذا السؤال لا يليق مع حالة التعقد التي سيصف بها البحث وعيَ شعراء النثر الذين تعرضت لهم؛ حيث لا يمكن للحركة النقدية أن تتخذ طريقا أحادية من أ إلى ب؛ كأن يتحرك الناقد من الصورة الشعرية إلى العالم، أو من العالم إلى النص الشعري. المقاربة يجب أن تتمتع بدرجة من التعقد تتوافق إلى حد ما مع درجة تعقد الوعي المطروح في النص الشعري النثري. من هنا ستكون الحركة أشبه بخارطة أطلب من القارئ أن ينظر إليها كلها في لحظة واحدة؛ أي ألا يركز عينيه على مساحة منها مهملا باقي تفاصيلها. إنها محاولة نقدية تسعى لأن تكون تجريبية.

ولكن التجريب - في النقد خاصة - لا يعني غياب القواعد الاتفاقية بين الباحث والقارئ؛ حيث يجب أن يعلن الباحث منهجه في القراءة حتى يمكن أن يقوم اتفاق بينه وبين القارئ على أسلوب التحليل، بغض النظر عن أي نقد يمكن أن يقدمه القارئ لهذا المنهج بعد ذلك.

وطريقة التحليل التي سأتبعها لن تحاول تقديم كل شيء ممكن في النصوص التي أقف عندها بالتحليل، بل سيكتفي البحث في فقرته الأولى - الخاصة بالتركيب التناقضي للصورة – بالوقوف عند الصور أو التكوينات التصويرية التي تعبر عن الفكرة البحثية المطروحة، في حين سيحاول في الفقرة الثانية –الخاصة بفكرة العزلة- أن يدخل إلى حيز التأويل مفيدا قدر الممكن من تحليلات الفقرة الأولى.

 

 

 

 

 

2-              تعقد الوعي/ تناقض الصورة

 

أحسب أن وعي شعراء قصيدة النثر الذين تعرضت لهم في المملكة العربية السعودية يمتاز بدرجة لافتة من التعقد الإيجابي في إدراكه للعالم، وأخص حال التراكب الفكري والشعوري تجاه الأشياء والظواهر بما يمنع من سيطرة إحساس أحادي عليها. أتحدث هنا تحديدا عن أشياء وظواهر متفق عليها ثقافيا بصورة أحادية نهائية ومريحة. لا أحد منا يستخدم كلمة الوحوش في سياق إيجابي، جميعنا يحملها دلالة أحادية نهائية وسلبية بالضرورة، لكنها لدى أحمد كتوعة توضع في تركيب يربك هذه الأحادية الدلالية ويهز اليقين الساكن خلفها يقول كتوعة في قصيدة جرف:

طريق البيت

وحوش مقمرة

ووحشة مستأنسة ([1])

كيف يمكن أن تكون الوحوش مقمرة، القمر هو الضوء، كما أنه مرتبط في تاريخ القصيدة العربية بالحبيبة التي تمثل مصدر إنارة لحياة المحب وروحه، هنا يلتصق الوصف "مقمرة" بالوحوش، ويبدو هذا الجمع بين مفهومين متناقضين على مستوى الثقافة فاتحا لمساحة تساؤل واسعة: هل يمكن حقا أن تكون الوحوش مقمرة؟ والإجابة: نعم، فنحن ملتزمون بالواقع النصي، وغايتنا هي مقاربته لا إنكاره. الوحوش مقمرة في قصيدة أحمد كتوعة لا شك. والسؤال التالي يبدو لي هو الأهم: كيف تكون الوحوش مقمرة؟ هنا يمكننا التحرك خارج النص إلى الثقافة والوعي كليهما.

الوحوش مفهوم ثقافي/ اجتماعي، وتجدر الإشارة إلى أن كلمة الوحش على المستوى المعجمي لا تتطابق مع الحيوان المفترس، فكل حيوان أهمل حتى أصبح غير أليف أو مستأنس هو وحش، حتى إن كان غزالا. الوحوش أيضا مفهوم غير أحادي، ولكنه معقد بطريقة أخرى على مستوى الثقافة المعاصرة. فالوحش دائما مصدر للفزع، والقبح، وتهديد الحياة، وهو كذلك كيان تشكله الخرافة بأكثر مما تتدخل في صياغته خبراتنا المباشرة (فقد انتهت علاقتنا المباشرة بالوحوش منذ قرون طويلة). الوحوش إذن مفهوم ثقافي خرافي أكثر من كونه مفهوما اجتماعيا نتج عن خبرة حياتية مباشرة. ولذلك فهو مفهوم ينتمي لمساحة المستقر المفهوم بصورة نهائية.

هنا يأتي التناقض في تكوين الصورة ليربك هذا الاستقرار المفاهيمي، وليفتح احتمالا ترى الثقافة أنه مغلق؛ احتمال أن تكون الوحوش مقمرة.

يمكن للصورة التالية أن تساعدنا في فهم هذا التركيب المقلق، حيث يربط الشاعر بين الوحشة والاستئناس. وهو ربط غير منطقي، ويبدو قريبا في غرابته من علاقة الوحوش بالقمر. فمنذ متى كانت الوحشة التي هي ضد الاستئناس أليفة. الوحشة هي انتفاء الاستئناس والاستئناس هو الألفة والأريحية والاطمئنان، وكلها معان تبدو نقيضا للوحشة وغير قابلة للاجتماع معها. أليست الصورة مربكة بالقدر نفسه الذي تكون به الوحوش مقمرة؟

يبدو أننا أمام وعي معقد ويستخدم تعقده في مناوشة الثقافة السائدة وإقلاقها. كأن الشاعر يقول: أنا قادر على أن أرى في الوحوش مصدر إنارة، وأستطيع أن أكتشف في الوحشة نقيضها. أو كمن يقول: لا سبيل للقبول بالتصورات الأحادية المستقرة والنهائية حول الأشياء والمفاهيم، تعالوا إلى طريقة أكثر عمقا يمكنها أن ترى في الشيء نقيضه، وأن تدرك في الظاهرة أبعادا مختلفة.

نحن هنا أمام حالة رفض جمالي للمبتذل الشائع المستقر، وهو ما يتناقض مع التصور الرائج عن قصيدة النثر أنها تركز على التفصيلي واليومي والعادي. هناك فروق مراوغة فيما أستخدمه من مفردات؛ فليس المبتذل الشائع المستقر هو نفسه التفصيلي اليومي العادي، لكن القراءة السريعة قد تساوي بينهما، فشعراء قصيدة النثر يستخدمون العادي واليومي من المفردات والمشاهد والأفكار والتعبيرات، لكن مبتعدين عبره عن الشائع والمستقر والمبتذل.

يبدو لي أن النص الشعري نفسه على وعي بالفرق بين اليومي والتفصيلي من جهة وبين الباهت والسطحي والتقليدي والشائع من جهة أخرى. يقول إبراهيم الحسين:

كلمات مثل: روح، عندما

وأخرى…

صرت – مؤخرا – أطاردها

في المضائق

حتى تصبح بعيدا خارج الورقة

كلمات أخرى تقف بعيدا

بقرونها تنظر إلى الطرائد

فلا تجرؤ على الاقتراب ([2])

الشاعر يصف حالة الكتابة، لكنه يصفها عبر رغبة عميقة في تحقيق المغايرة للسائد والمستقر والشائع، إنه يحاول وصف حالة الرفض للمبتذل المكرر الباهت والسعي لتخليص القصيدة منه، وفي الوقت نفسه حماية النصوص (الطرائد) من الوحشي الغريب الصادم. يبدو أنني لم أستطع تجنب التأويل في محاولة إثبات الفكرة، هل كان بإمكاني تجنبه؟

يمكن التمثيل لهذا الوعي المركب الذي يجمع تناقضات مربكة للسائد في نص إبراهيم الحسين "أي عيد". يقول:

في العيد

نزين الدار

فنعلق الجروح

وننطلق إلى ظل الحلم ([3])

ما أود الإشارة إليه هنا هو التناقض الذي يبدو طبيعيا بين العيد والزينة من جهة والجروح من جهة أخرى. هل يمكن أن تصبح الجروح زينة؟ وهل يمكن ألا تكون زينة العيد في وعي لا يرى في الأشياء جانبا واحد، بل لعله يسعى طوال الوقت ليصدم ثقافته الراكدة بما يراه من إمكان التناغم – وربما التكامل - بين الأضداد؟ هكذا يمكن التعامل مع تراكيب من مثل: مرارة طازجة/ ذباب أنيق/ الثياب المبللة بالحكمة والحماقات/ الضياء حائط ([4])

 لكن التناقض قد يكون على مستوى صورة أوسع، ربما يتشكل التناقض المتراكب على مستوى مشهد تصويري أكثر تعقيدا. لنقرأ هذا المشهد لدى محمد الحرز:

على الطاولة ثمة كهف

قابع لا زال

يعد مائدة الظلام

للجالسين .. لكن

كيف استحال الجالسان

نجمتين مضيئتين؟! ([5])

أين التناقض المنسجم هنا؟ يبدو لي في حالة الامتزاج الفذ بين الظلام والضوء في حالتيهما القصوى؛ الكهف يمثل حالة قصوى للظلام، ثم يتحول الجالسان نجمتين ممثلين بذلك الحالة القصوى للضوء، كلاهما مجتمع حول مائدة، بحيث يبدو أن الظلام ينسكب انسكابا من الكهف بما يكاد يغمر كل ما يحيط به، هنا تبزغ النجمتان، كأنهما كيانان مضيئان في قلب الكهف أو في قلب الظلام المنسكب منه، أليس هذا هو الوضع الطبيعي للنجوم؟ ألا تتواجد دوما في قلب ظلام دامس؟ أليس هذا اجتماع متجانس للمتناقضات، يمر علينا دون أن نراه كذلك؟ على القارئ الآن أن يدرب خياله كي يتعامل مع هذا الحضور الفذ في تناقضه وانسجامه.

التناقض ليس مقصورا على حالته الحادة التي توقفت عندها فيما سبق سواء في الصورة المفردة أو في المشهد الأكثر تراكبا، بل لعل التناقض مخبوء في المنطق الذي يطلب منك النص أن تتبناه كقارئ في تعاملك مع عالم القصيدة؛ بعبارة أخرى، قد يكون التناقض قائما بين ما يراه النص طبيعيا أو بعضا من طبيعة الأشياء في العالم، ويطلب منك أن تراه كذلك –على الأقل في لحظات قراءتك للنص – وبين ما تراه أنت طبيعيا استنادا إلى منطق العالم المعيش كما درجنا على تعلمه. التناقض هنا هو حالة تسم وجود الأشياء ولا غرابة فيما يراه الشاعر توافقا بين عناصر الكون التي تبدو لنا متناقضة لا اجتماع بينها إلا في حالة الصراع. التناقض إذن موجود وغير موجود؛ موجود كحالة وعي وأسلوب تفكير، وغير موجود في العالم كما يراه وعي شعراء قصيدة النثر، الوعي الذي يشتركون فيه مع كثير من الفلاسفة([6]).

التناقض الذي تناولته الفقرة السابقة يخفي تناقضا آخر مع السائد ورغبة في التحرر من قيوده المجتمعية والفكرية والسياسية، والقصيدة بطبيعتها الجمالية تحاول أن تصنع إرباكا للرؤى المستقرة التي تدعم الكيانات الفكرية والجمالية القائمة. لكن ألا يمكن أن نرى في هذا الإرباك نوعا من التحرر؟ ألا تعد مناقضة السائد المستقر محاولة لتحرير الوعي من الركود والتعفن تحت وطأة كل ما هو متكرر من صور شعرية ومن تصورات عن العالم والحياة من حولنا؟

 

 

3-              العزلة/ سمة جيل

 

المناقضة التي يستشعرها هذا الجيل هي سبب في العزلة ونتيجة لها في آن، البداية هنا غير معروفة: أيهما قاد إلى الآخر؛ هل العزلة قادت للتناقض مع الثقافة المحيطة، أم أن التناقض هو نقطة البداية وهو ما قاد إلى العزلة؟ أحسب أن الأمر مزيج معقد من الحركتين معا، فشعراء هذا الجيل لم يبدءوا واعين بتناقضهم تماما وكذلك لم ينشئوا في عزلة مفروضة عليهم، بل لعل الأقرب أنهم حملوا بذور التناقض والعزلة معا، فكان كل منهما غذاء للآخر، ولنتخيل حركة الوعي لديهم بهذه الطريقة: أعي قدرا من التناقض مع المحيط الذي أعيش فيه، ولعل قليل من العزلة يفيد في فهم هذا التناقض وإزالته. ثم إن العزلة تكشف عن درجة أعلى من التناقض الذي يقود بدوره إلى مستوى أعلى من العزلة.

لكن كيف يمكن للعزلة أن تتجسد في النص؟ ما أشكال حضورها؟ وكيف يؤكد هذا الحضور حالة التناقض؟

هناك صورة مباشرة للعزلة تستخدم المفردة نفسها "العزلة" وهذا الحضور المباشر لا يعني أن الطرح الجمالي مباشر أيضا، بل لعل هذه المباشرة تحاول أن تمثل صدمة للشعور المستقر بالاندماج والتأقلم. يقول أحمد كتوعة في قصيدته "عزلة"

الغريب

الذي يمطر وجهه الكآبة تحت سقف المدينة المضاء

معتبرا احتساءه الصلابة جزءا من طقسه العادي

يستند وقفا على مشاغله الصغيرة وينظر في البعيد

ليكنز شيئا من الدفء

يحتمي بعزلته ([7])

العزلة ليست أمرا مبهجا، إنها وليدة الغربة، أو هي نتاج حتمي لها، الغربة سبب في الكآبة والبرد، واحتساء الصلابة هو جزء من شروط العيش، لكن العزلة تبدو الخيار الوحيد أمام الغريب، إنها الشيء الوحيد الذي يمثل حماية له. العزلة أمر حتمي لا سبيل لتجنبه، كما أن الاغتراب أمر حتمي لا سبيل لنفيه.

مفردة العزلة تظهر أيضا في عنوان قصيدة شريف بقنة "مدن العزلة"، يقول في بدايتها:

موسيقى تغسلني في الليل

كائنا كونيا

كل يوم عنده

عالم بأكمله

أولد في أوله

وأموت عند ساعة الصفر

أرمي برباط عربتي إلى النجوم

لو أكتفي بهذه الأرض

وأترك ذلك الكون مخذولا في صدري([8])

بداية القصيدة تعلن موقع الشاعر على خريطة الكائنات، هو لا يستطيع سوى أن يحيا في كونه الخاص، لا يمكنه سوى أن ينظر إلى السماء بعيدا عن الأرض التي لا يقدر على الاكتفاء بها، العزلة والكون الخاص الذي يخلقه الشاعر هو ملاذه وملجأه الوحيد.

وكذلك تتردد مفردة العزلة دوما منسوبة إلى ذات الشاعر أو الصوت التخييلي في القصيدة كما في قصيدة حمد الفقيه "على طريقة لوركا حين يقول:

لكنني لست لوركا

لأقرع نوايا الآخرين بعصا حدسي

ولعل الأمر يعود في هذا إلى أنني علقت جسدي بسقف العزلة

لأذهب مع كل هبة حتى أقاصي الحنين([9])

إنه يرفض فرض حدسه/ وعيه/ شعوره على العالم وهو على وعي بسبب رفضه؛ إنه معلق بسقف عزلته، وهو من فعل ذلك، العزلة اختيار مميز.

هل يمكننا الآن القول بأن الشعور بالعزلة والاغتراب هو جزء مكون - وربما معرِّف - لتجربة شعراء قصيدة النثر، إنه حاضر بدرجة عالية من الحدة أظنها تتيح لنا أن نجعله سمة مميزة لقصيدة النثر لدى هذا الجيل. صحيح أن الغربة والمنفى والعزلة هي معان متكررة عبر تاريخ الشعر العربي، لكن أحدا – بما في ذلك شعراء التفعيلة- لم يجعل العزلة الناتجة من الاغتراب هي الملجأ الذي يحتمي به كما فعل كتوعة ومجايليه.

يقول عيد الخميسي في قصيدته "بقع":

التي ظلت تنجب أطفالا موتى لفترة طويلة

ظل زوجها يذهب بلفافات الأرواح البيضاء إلى المسجد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إلى ملتقى جازان الشعري

كتبها عيد الخميسي ، في 23 فبراير 2009 الساعة: 11:59 ص

 في الغد  سأكون في جازان للمشاركة بملتقى الشعر السعودي الثالث، الملتقى الذي يدخل نسخته الثالثة بزخم كبير، إذ يشارك فيه طيف واسع من الشعراء السعوديين، علاوة على حلقات نقدية مصاحبة بمشاركة عدد من النقاد السعوددين والعرب.  سيكون الملتقى فرصة للالتقاء بالأصدقاء، لنظرة تلملم أطراف وملامح التجربة الشعرية لدينا.

 المناسبة هي حدث كبير يضطلع به الاصدقاء في نادي (جازان) والحدث جدير بالمتابعة، فبعد أعوام طويلة من التهميش والإقصاء عاد الشعر مجدداً إلى واجهة المشهد الأدبي. وإذا كانت فرص لقاء الشعراء السعوديين -داخل بلادهم- قد ظلت قليلة للغاية لسنوات طويلة، فإن مبادرة نادي جازان الأدبي ربما ستمنح المزيد من الأمل في تحويل هذه اللقاءات إلى مشهد متجذر في واقعنا الأدبي.

 هذه دعوة للحضور والإنصات لصوت الشعر.

هنا نضع لكم جدول الفعاليات.

الملتقى الشعري الثالث - الخطاب الشعري المعاصر في المملكة العربية السعودية

الفترة من 29 /2 - 2/3/1430 هـ الموافق 24-26/2/200م

 

حفل الافتتاح وتكريم الرعيل الأول من شعراء جازان على شرف سمو أمير المنطقة صاحب السمو الملكي محمد بن ناصر بن عبد العزيز.

الثلاثاء 29/2/1430 هـ الموافق 24/2/2009        -11:00 /12:00صباحا
9:00 /10:00 مساء الجلسة الشعرية الأولى


محمد حبيبي-
إبراهيم طالع-
عيد الخميسي-
أحمد عايل-
يحي خواجي

يقدم الأمسية-
عبدالرحمن موكلي على صالة الأمير فيصل بالنادي.

10:30 /11:30 مساء

 

علي با فقيه-
عيد الحجيلي-
هدى الدغفق-
إبراهيم زولي-
إبراهيم الحملي-

 

يقدم الأمسية د. علي الرباعي - صالة الأمير فيصل بالنادي.
الجلسة الشعرية الثانية

الأربعاء 30/2/1430 هـ الموافق 25/2/2009 م

7:00 /8:00 مساء أمسية ضيف الملتقى الشاعر الكبير محمد العلي

يقدم الأمسية محمد زايد الألمعي  - صالة الأمير فيصل بالنادي.

9:00/ 10:00 مساء الجلسة الشعرية الثالثة

علي الدميني-
أشجان هندي-
أحمد قران-
حسن الصلهبي-
علي الحازمي

يقدم الأمسية أ. علي مغاوي على صالة الأمير فيصل بالنادي.

 

10:30/ 11:30 مساء الجلسة الشعرية الرابعة

محمد الثبيتي-
أحمد الملا-
علي الأمير-
محمد يعقوب-
حليمة مظفر
تقدم الأمسية .أ. خديجة ناجع على صالة الأمير فيصل بالنادي
.

 

الخميس 1/3/1430 هـ الموافق 26/2/2009 م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الأثر الذي تصنعه القصيدة ليس عناية الشاعر

كتبها عيد الخميسي ، في 22 فبراير 2009 الساعة: 12:20 م

 - بعد ديوانيك “كنا” و “البوادي”، صدر لك قبل أشهر كتابك الشعري الجديد ” جملة لا تناسب القياس”. وهو ديوان حافل بعشرات القصائد القصيرة، لكن كثيرا منها حاملة لمشاعر كثيفة من القلق المشوب بالحزن والأسى الذي قد يصل إلى حد اليأس.
فهل الشعر لدى عيد الخميسي حزن وقلق أساسا؟ ولِم كل هذا الحزن لديك؟… علما أن الشعر كما يقال متعة للعين ومهجة للقلب..

-(جملة لا تناسب القياس) هو كتاب شعري احتوى على مجموعتين هما (حضن ثالث) و (في حالة كهذه)، في (حضن ثالث) ثمة قصائد كثيرة تتناول الحب وتقرؤه حسبما أظن، ثمة تنوع في مناطق الاشتغال. أظن أن السؤال ينشأ من قصائد (في حالة كهذه)..حيث تفتتح المجموعة
(لا أُرِيْدُ أَنْ أَمْشِي

أُرِيْدُ أَنْ أَكُفَّ.

لَيْسَ كَمُتَفَرِّجٍ وَإِنَّمَا كَعابِرٍ أَيْضاً

أُرِيْدُ أَنْ أَخْتَفِيَ وَأَسْتَمِرَّ بِالشُعُوْرِ

وَالنَظَرِ وَالْحَياةِ)

..إنها قصائد نشأت من خلال شروط لحظتها الشعرية والتاريخية التي تعيشها.. لا أعرف إن كان يمكن النظر للقصيدة من حيث كونها مصدر للحزن أو القلق، فهذا ذهاب إلى الأثر. النافذة التي يمكن لي أن أنظر منها للشعر هي في بحثه، تقصيه، ذهابه، قراءته، تجدده، تعبيره، مناطق اشتغاله.
لا أعرف أيضاً إن كانت جملة مثل (الشعر متعة للعين ،مهجة للقلب) يمكن قبولها كتوصيف للشعر،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في تحليل النص الشعري- كتاب جديد ل(عادل ضرغام)

كتبها عيد الخميسي ، في 18 فبراير 2009 الساعة: 10:12 ص

الصديق د.عادل ضرغام الناقد المبدع، الأكاديمي الجميل صدر له مؤخراً كتاب جديد هو ( في تحليل النص الشعري) عن الدار العربية للعلوم.

يحتوى هذا الكتاب على ثلاث دراسات كتبت في فترات متباعدة,ولكن هذه الدراسات يجمعها خيط واحد هو الاهتمام بالشعر, والشعر وحده ,ذلك الكائن الذي تغرب حتى أصبح لا يعرفنا, وأصبحنا – أيضا – لا نعرفه.

تأتي الدراسة الأولى (كتابة الظل في قصائد الأخضر بن يوسف للشاعر سعدي يوسف) واضعة اهتمامها الأساسي في إطار جزئية فكرية أرقت المبدع العربي على مر العصور والأزمنة, وهي طبيعة العلاقة الملتبسة بين الإنسان (الكائن المادي المعهود), والظل أو الشاعر,ذلك الكيان, الذي لا يتكون من لحم ودم.

أما الدراسة الثانية (تحولات الضمير السردي في سيفيات المتنبي), فهي دراسة تحاول الإفادة من التوجه الأسلوبي في دراسة الشعر, وخاصة النصوص الشعرية القديمة, وذلك من خلال محاولة تصفية ومعرفة الصوت ال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحب..أم الحاجة للحب؟

كتبها عيد الخميسي ، في 14 فبراير 2009 الساعة: 22:35 م

الحاجة للحب لا تعني القدرة على قراءته

، الحاجة لا تخلق سوى شقاء فقرها.

كقراءة لا تحتمل تأويلاً آخر

الحب هو الحياة.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ليس من رسائل جديدة

كتبها عيد الخميسي ، في 14 فبراير 2009 الساعة: 22:27 م

  

لَيْسَ مِنْ رَسائِلَ جَدِيْدَةٍ وَلَيْسَ مِنْ نَدَمٍ.

أَيُّها الْعابِرُ تَمَهَّلْ، أَيُّها الطِّفْلُ الذِيْ يُحُبُ مُشَاهَدَةَ أَفْلامِ السِيْنِمَا،

أَيُّهَا الشَّجَرُ الذِيْ لا يَكُفُ عَنْ الصُعُوْدِ..

تَمَهَّلْ..

الْحُبُ تَتَوَسَّدُ شَمْسُهُ الشاحِبَةُ قَلَقَ الْمَوْجِ،

الأَسْماكُ تُهَرِّبُ أَرْوَاحَهَا إلَى مَكَانٍ آخَرَ،

الْقارِبُ الذِيْ يَقُوْدُهُ ساعِدٌ نَحِيْلٌ

لا يَعِدُ بِمَشاهِدَ كَبِيْرَةٍ.

**********

ماذَا بَقِيَ وَماذَا تَبَخَّرَ؟

ماذَا اخْتَفَى فِيْ السَّرادِيْبِ الْعَمِيْقَةِ التِيْ تَحِيْكُ فِيْها أَفْكارَكَ

كَثِيابٍ لا تُناسِبُ الْقِياسَ أَبَداًً.

 

**********

هَذا النَّهارُ الْحارُّ يَجْعَلُ كُلَّ شَيءٍ يَنِزُّ عَرَقاً:

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مهدي الجريبي.. الفاصل بين المرئي واللامرئي

كتبها عيد الخميسي ، في 6 فبراير 2009 الساعة: 21:30 م

جان كلود لوغويك
تمتلك أعمال مهدي الجريبي أنظمة بصرية متناسقة تستميل فورًا تعاطف المتلقي؛ إلا أنها سرعان ما تثير في نفسه تساؤلات حول احتمالات الدلالات وحول مصادر الأعمال المعروضة أمامه.
يعمل الجريبي على إشكالية الأثر، ويختبر مظهر أشكاله انطلاقًا من أرضية مكوّنة من آثار مادية ومحسوسة. وتختلف طريقة معالجته للموضوع حسب الحالة، فتراه يعمد تارة إلى التجميع أو الربط، وطورًا إلى الجمع أو التركيب، وذلك بحرية كبيرة.
لا يعتبر الجريبي أرضية الإبداع التشكيلي أرضًا بكرًا؛ بل يرى فيها ركيزة للعمل يختارها لغنى الآثار التي خلفتها عليها الذاكرة. لذلك يقوم أولاً برصد الخلفية بدقة وإمعان قبل أن يتدخّل فيها بحساسيته وسلطته. والخلفيات التي انتقاها الجريبي هي قطع مختارة من الواقع، تتميّز بعلامات وأشكال وتضاريس خاصة بها. وقد سبق استعمالها، فهي بالية ومخدشة كمكاتب التلاميذ مثلاً، تشكّل لوحة غامضة وخفيّة ينطلق الفنان منها لخلق لوحات - أشياء. فتراه يكشف هنا عن شق في الخشب، وهناك عن تقشير في الطلاء، أو عن محيط بقعة، أو عن طرس كتابة.
يعالج الجريبي في أعماله الحد الفاصل بين المرئي واللامرئي، بين تسجيل أثر الماضي وابتكار ما هو ممكن لنظرة قادمة. هذا العالم الذي مضى، يجب استبداله بعالم حي لا يُشيّد فيه عالم الأمس كأثر تذكاري غير قابل للتحول، كما يجب ألا يُنسى لاعتباره منجمًا يستخرج منه واقع آخر.
وإذا كانت أعمال الجريبي لا تسعى إلى نقل رسالة معينة، إلا أنها حافلة بالدلالات، ومن أهمها أنها تذكرنا بأن الأسى يكمن في أرضية العمل الفني، في ماضي الأشياء، في حوادث المواد. من مزايا فن الجريبي أنه يعيد الحياة لآثار وبقع قد تغرق بدونه في متاهات النسيان. ولكن الفنان يعالج موضوع ذاكرة الأشياء دون أي حنين لماضيها. وتتولّد هويته من جراء انتشال واستعادة أجزاء الواقع، لأن هذه العملية تشكل بحد ذاتها تسجيلاً لمواقفه الشخصية. وقبل أن يقوم الفنان بتسجيل مواقفه الشخصية، يستعمل أولاً حساسيته لممارسة الرصد والكشف والتفسير والتعبير.
رغم ذلك، بقيت الآثار التي يميط اللثام عنها غامضة، بمعنى أنها لا تعيد شرح معاني الإشارات؛ بل تفترض وجود دلالات متعددة. فالمسافة القائمة بين الأثر والإشارة هي دومًا متحوّلة، لذلك تستحوذ اهتمام الفنان الذي يرى فيها انفتاحًا على المخيلة. ويدرك الفنان أن قراءة الآثار تقوم أولاً وأخيرًا على القليل منها، ويعرف أن العمل على حدود المرئي يدفع إلى تأويلات أفضل. يفتح الجريبي سطح الأشياء، مثل هذه المكاتب التي سجل عليها التلاميذ على مدى السنين علامات مرورهم.
وفي عرضه هذه الألواح الخشبية يأخذ بنا إلى استعراض ظهور المعاني التي تؤدي إليها. فيصبح الحيز المحدود الذي تم اكتشافه مجالاً واسعًا للمغامرة أو ساحة لعب أو منظرًا مؤلّفًا من إشارات .
وعلى أرضية لها قصة وتاريخ، يستعمل الرسام كل ما يلّم به من علم التحويل والتصوير. ويتحوّل غياب معرفة أصل الأثر إلى حضور معلن لمداخلات الفنان في العمل بصورة دقيقة وظرفية، وبحذر ومهارة في آن واحد.
إن زمن الإبداع الأول الذي يستبق الفعل بحد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي